أوقع سيد المقاومة حسن نصر الله العدو الصهيوني في ورطة استراتيجية في الحلقة الأخيرة من حوار الأربعين، الذي أجراه رئيس مجلس إدارة فضائية الميادين معه "غسان بن جدو"، وذلك باعتراف مختلف المستويات الأمنية والعسكرية والإعلامية، بالنظر لمستوى التهديدات التي أعلن عنها حزب الله، إذا ما بادرت حكومة العدو باستخراج الغاز من حقل " كاريش" المتنازع عليه.
فالمعلقون الإسرائيليون في مختلف الفضائيات الإسرائيلية، على اختلاف اختصاصاتهم المهنية سواء على الصعيد الفلسطيني أو العربي أو الأمني، تناولوا حديث نصر الله بتركيز كبير وغير مسبوق، بعد أن حول نصر الله بذكاء سياسي كبير الأزمة الاقتصادية التي راهن العدو الصهيوني عليها كمكبل أو مقيد لحركة حزب الله، في التعامل مع قضية حقل "كاريش"، إلى فرصة وحبل نجاة، لا يلتف حوله جمهور بيئة المقاومة فحسب، بل أغلبية الشعب اللبناني الذي بات يئن تحت أزمة اقتصادية طاحنة، صنعتها الإدارة الأمريكية وأدواتها في لبنان.
غرفة العمليات المشتركة لمحور المقاومة
وقبل أن نتوقف أمام القراءات الإعلامية والأمنية الإسرائيلية لتفاصيل ما جاء في حوار الأربعين، نشير إلى أبرز العناوين التي تضمنها الحوار، والتي فاجأت العدو وأوقعته في حالة كبيرة من الارتباك :
1-أنه تمكن باقتدار من الربط ما بين التكتيكي والاستراتيجي، ففي السياق التكتيكي العملياتي أعلن بوضوح بأن المقاومة قادرة على ضرب أي هدف "مطلق" في الكيان الصهيوني، وأن لديها في لبنان قدرات بحرية دفاعية وهجومية كافية لتحقيق الردع المطلوب والأهداف المنشودة".
وفي السياق الاستراتيجي ربط بين البعد المقاوم وبين زوال الكيان الصهيوني بقوله "أرى نهاية الكيان الإسرائيلي قريبة جداً، والمشهد عندي بخصوص نهاية إسرائيل، يتمثل في أناس ذاهبون في اتجاه المطارات والموانئ والمعابر الحدودية"، مؤكداً أنه "لا نحتاج إلى أربعين ربيعاً أخرى لنشهد نهاية إسرائيل وأن كل عناصر بقاء إسرائيل تتراجع وتخمد بينما عناصر زوالها تقوى".
2- أنه أعلن بطريقة مواربة أن سماء لبنان لن تكون مفتوحة أمام الطيران الحربي الإسرائيلي، مثلما كان عليه الوضع في حرب تموز 2006، منوهاً بسلاح المسيرات بهذا الخصوص، دون أن يكشف عن أسرار الدفاع الجوي التي بات يمتلكها.
3- أنه كشف عن سر أمني لأول مرة، ممثلاً بدور حزب الله في معركة سيف القدس التاريخية من خلال غرفة عمليات مشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية وحزب الله والحرس الثوري الإيراني، مؤكداً أن الحزب كان على أهبة الاستعداد، وزود المقاومة الفلسطينية بمعلومات استخبارية غاية في الدقة، مكنها من قصف أهداف رئيسة ومركزية في عمق الكيان الصهيوني، مثل مترو الأنفاق وغيره، مؤكداً أن التواصل بين أطراف محور المقاومة قائم ومستمر، وهو بهذا الكشف يبدد الأضاليل التي روجها أرباب نهج أوسلو والمتخاذلون الذين شككوا في دور حزب الله ومحور المقاومة إبان تلك الحرب.
الورطة
المعلقون في مختلف الفضائيات الإسرائيلية، والخبراء الأمنيون الإسرائيليون توقفوا بحرص أمام كل مفردة جاءت في حديث نصر الله، خاصةً وأن هذا الحديث الصريح والجازم جاء بعد أن هدد نصر الله بقصف "كاريش" وما بعد بعد "كاريش" وقد شدهم بشكل رئيسي ما يلي:
أولاً: توقيت نصر الله بشأن التهديد بالحرب، عشية أيلول (سبتمبر) القادم وهو الشهر الذي قرر فيه العدو البدء باستخراج الغاز من حقل كاريش، ما يعكس ثقة عالية بالنفس وبقدرات المقاومة وبفائض القوة الذي باتت تمتلكه، إذ أنه لم يهدد فقط بمهاجمة كاريش بل وجه أيضاً تهديداً بضرب كل منصات الغاز الإسرائيلية في البحر المتوسط"، وأنّ "هذا يمثّل بالطبع ارتقاءً (في التهديد) عدةَ درجات مرةً واحدة".
وقد توقف المحللون العسكريون والإعلاميون الصهاينة أمام العبارة التالية للسيد نصر الله: "إذا بدأ استخراج النفط والغاز من كاريش في أيلول/سبتمبر، قبل أن يأخذ لبنان حقه فنحن ذاهبون إلى مشكل، وقد وضعنا هدفاً، وذاهبون إليه من دون أي تردد، وكل ما يحقق هذا الهدف سنلجأ إليه".
ثانياً: قراءة الوضع الدولي لالتقاط اللحظة الملائمة للتهديد بالحرب، ليحصل لبنان على كامل حقوقه النفطية والغازية، مشيراً إلى أن "لبنان الآن أمام فرصة تاريخية في ظل حاجة أوروبا إلى تأمين بديل للنفط والغاز الروسي، ولأنّ "بايدن المهزوم في أفغانستان والمتورط في الأزمة الأوكرانية، لا يريد حرباً في المنطقة، وهذا الأمر فرصة لنا للضغط من أجل الحصول على نفطنا".
ثالثاً: قراءة الوضع الداخلي الإسرائيلي كلحظة سياسية ملائمة لشن الحرب ممثلاً بعدم وجود استقرار سياسي داخلي في الكيان الصهيوني، بحكم وجود حكومة انتقالية لتصريف الأعمال، بعد أن صوت الكنيست (البرلمان الصهيوني) بالإجماع على حل نفسه في أل(30) من حزيران (يونيو) الماضي.
معلق الشؤون الفلسطينية في القناة (12) الإسرائيلية، "أوهاد حامو"، لفت إلى أنّ هذا التصعيد في الخطاب "هو الأوضح منذ عام 2006"، مضيفاً: "نحن نتحدث عن الفترة الزمنية الأكثر حساسية بين إسرائيل وحزب الله، وهذا بالتأكيد لا يجب الاستخفاف به بحكم وجود حكومة انتقالية في (إسرائيل)، وهو الأمر الذي قام حزب الله بتشخيصه كنقطة ضعف إسرائيلية.
عدم جاهزية الكيان للحرب
ما يلفت الانتباه الرعب الذي بات ينتاب حكومة العدو من تهديدات نصر الله وإعلانه الجهوزية الكاملة للحرب، التي أخذت تهديداته على محمل الجد، وباتت ناضجة بشكل كبير لتقديم التنازلات المطلوبة لصالح لبنان في حقل كاريش، ارتباطاً بما يلي:
1- حاجة الكيان الصهيوني لاستخراج الغاز والنفط من كامل الحقوق لتزويد أوروبا بالغاز خاصةً وأن نصر الله هدد باستهداف كافة حقول الغاز والنفط في مياه فلسطين المحتلة، إذا لم يحصل على كامل حقوقه الغازية من حقل "كاريش".
2- عدم جهوزية سلاح البر والمدرعات للدخول في حرب ضد حزب الله في الشمال، حيث حذّرت وسائل إعلام إسرائيلية من عدم جاهزية القوّات البرية الإسرائيلية، في حال حدث تصعيد في الشمال، وذلك على خلفية التوتر بين "إسرائيل" وحزب الله. وبهذا الصدد نقل موقع "إسرائيل هيوم" الإسرائيلي خشية الضباط في القوات البرية وسلاح المدرعات من عدم الجاهزية، مشيراً إلى أنهم "ليسوا مستعدّين للحرب المقبلة".
3- جاهزية حزب الله لشن الحرب على الكيان الصهيوني، وبهذا الصدد أشار اللواء في الاحتياط الإسرائيلي، وممثل قبول شكاوى الجنود سابقاً، "يتسحاك بريك" أشار "أنّه لدى حزب الله حوالي 100 ألف صاروخ، ولديهم مئات الطائرات المسيرة الموجهة نحو أهداف استراتيجية، وعلى تجمعات سكانية وبالطبع على منصات الغاز التابعة لإسرائيل"، مؤكداً أنّ "هذه الإمكانية بمجرد وجودها يمكن أن تتحقق".
كما أكد لواء الاحتياط في قوات الاحتلال الإسرائيلي "عاموس غلعاد"، إنّه يجب "أخذ تهديدات نصر الله على محل الجد، والاستعداد"، مضيفاً أنّه "إذا هاجموا منصة كاريش أو أي منصة أخرى، فإنّ ذلك بالطبع مواجهة يمكن أن تصل إلى أبعاد واسعة جداً".
3- وصول المستويين الأمني والسياسي للكيان الصهيوني إلى قناعة بأن مناورات "مراكب النار" التي تم انجازها على مدار (30) يوماً في شهري أيار وحزيران الماضيين لم تغلق الثغرات اللازمة في مستوى الجاهزية للحرب في الشمال.
ما تقدم من تفاصيل ومواقف على جبهتي حزب الله والكيان الصهيوني، دفع رئيس وزراء الكيان الصهيوني الانتقالي "يائير لابيد" إلى مناشدة الإدارة الأمريكية الإسراع في ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والكيان الصهيوني.
لكن فات "يائير لابيد" أن يدرك أن تهديد حزب الله بقصف حقل "كاريش" وبقية الحقول على شواطئ فلسطين المحتلة عام 1948، ليس مرتبطاً بهذا الحقل فقط، بل مرتبطاً برفع الفيتو الأمريكي عن لبنان في استخراج النفط والغاز من بقية الحقول غير المتنازع عليها مع الكيان، ما يعني أن نصر الله مصر على تحقيق ردع مزدوج لكل من ( إسرائيل) والإدارة الأمريكية.

